إن لتصور أرسطو حول علاقة الأنا بالغير , المبني على الصداقة بدلالتها الأخلاقية , قيمته الفكرية و التاريخية , فبتنصيصه على الصداقة كقيمة أخلاقية يكون قد تجاوز ذلك التصور الفكري الذي بنى علاقة الأنا والغير على التشيئ , ج.ب.سارتر كنموذج : L'enfer c'est les autres أو على الصراع , مثال جدلية العبد و السيد عند الفيلسوف هيجل , كما تجاوز في نفس الوقت أستاذه Platon , وتصوره المثالي المجرد لمفهوم الصداقة , فقد ذهب أفلاطون في محاورته Lysis , إلى اعتبار الصداقة حالة وجودية بين الكمال المطلق و النقص المطلق , لأن من يتصف بالكمال المطلق لا يحتاج إلى الأخر ومن يتصف بالشر المطلق تنتفي فيه الرغبة لفعل الخير , لذا فالصديق هو من يحاول البحث عن الخير و الكمال ولأن الصداقة هي محبة متبادلة بين الانا و الغير , في حين نظر أرسطو إلى الصداقة كقيمة عملية وتجربة مشتركة بين أناس فضلاء تعيش داخل المدينة , فهي فعل واقعي. لكن رغم هذا الاختلاف الملموس في فهم دلالة الصداقة لدى كل من أفلاطون وأرسطو , وهو اختلاف تفرضه روح الفلسفة الأفلاطونية ذات المنحى المثالي , التي تؤمن بوجود عالم مثالي هو عالم الحقائق , في مقابل عالم مادي واقعي لدى أرسطو, وهو الأمر الذي أثر طبعا على تصورهما لمفهوم الصداقة , بالرغم من ذلك فقد ظل تصورهما لمفهوم الصداقة ذا قيمة عملية بالنسبة للمدن اليونانية القديمة, التي كانت تعيش في صراع دائم بينها ,وأبرز مثال على ذلك , صراع أثينا مع سبراطا , وحروبها الدامية التي دامت 30 سنة , عرفتها منطقة Péloponnèse , فالصداقة بين مواطني هذه المدن كانت ضرورية لمواجهة تحدي الخصم , لذا كانت الصداقة محصورة في الغير القريب le prochain وليس الغير الغريب L'Etranger , فالغير الغريب الحقيقي بالنسبة لمثل هذا المجتمع , هو المجتمعات الأخرى المخالفة له لغويا ودينيا وعرقيا , والتي كانت تعتبر أعداء وخصوما.
يبدو أن مفهوم الغير الغريب L'Etranger يوحي على مشاعر النفور و الكراهية و الحقد و العداء , ومن ثم يفترض أن يواجه الغريب في الواقع العملي بالإقصاء و التهميش أو الحرب و التدمير , حين يتشخص في الأجنبي الدخيل أو المختلف ثقافيا , دينيا ...., وذا كان هذا الأمر مقبولا إلى حد ما عند اليونان القديمة المتصارعة بينها و بين خصمها الفرس , التي كانت تعتبرهم برابرة يجب القضاء عليهم , فهل يمكن قبوله في العصر الراهن حيث أصبح العالم قرية صغيرة بفعل التطور الذي عرفته وسائل الاتصال و التواصل ؟
عن هذا السؤال أجابت الدراسات المعاصرة حول الغير, ونبهت إلى قيمة هذا الغريب وحذرت من تهميشه ونبذه , لأنه في نهاية المطاف لا يعدو أن يكون سوى الأنا الذي يسكننا , دون أن نشعر بوجوده , وهو ما عبرت عنه الفيلسوفة البلغارية Julia Kristeva في كتابها **Etrangers a nous-mêmes بقولها : *ليس الغريب , الذي هو اسم مستعار للحقد وللأخر , هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها , ولا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة , إن الغريب يسكننا على نحو غريب , انه القوة الخفية لهويتنا , و الزمان الذي يتبدد فيه وفاقنا و تعاطفنا , ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا نوفر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته* , فالغير الغريب إذن كما رسمته لنا Julia Kristeva ليس ذلك القادم من الخارج أو البرانى عن الجماعة , الذي يهدد تماسكها ,ذلك أن وحدة الجماعة ليست في الواقع سوى مظهر عام عندما ندقق فيها, وينكشف لنا أن الجماعة تحمل في ذاتها بحكم اختلافها و تناقضاتها الداخلية , غريبا قبل أن ينفذ إليها غريب أجنبي Etranger.
نستنتج من تحليل و مناقشة مضمون القولة , أن للصداقة دورا مهما في نسج علاقة ايجابية مع الغير , فهي بمثابة مختبر حقيقي لقدرات البشر على الوفاء و الصدق , لكن يبقى المفهوم غير ذي معنى إذا ما انحصر في نطاق الغير القريب le prochain , و أقصى ما عداه من الأغيار , أي الغير الغريب Etranger , مع العلم أن الموقف إزاء ماهو غريب هو أيضا مختبر حقيقي لإمكانيات البشر على تقبل وتفهم المخالف لنا في العقيدة و المأكل و المشرب , انه اختبار حقيقي لقبول الاختلاف , أي لقبول مايفرقنا , وليس فقط لما يجمعنا , لأن ذلك المخالف لنا , ماهو في واقع الأمر , كما قلت Julia Kristeva , إلا القوة الخفية لهويتنا , لأن وجوده يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر , في تشكيل هويتنا الثقافية , انه الحضارات الأخرى المخالفة لنا وفي نفس الوقت المساهم في بناء حضارتنا , وأيضا المخالفين له , وفي نفس الوقت المساهمين في تشكيل هويته الثقافية , فهناك إذن تفاعل ايجابي بين الأنا والغير , تفاعل يفرض احترام كل واحد منهما للأخر , وهو الأمر الذي أشار إليه الانثربولوجي الفرنسي Claude Lévi Strauss في كتابه : *Anthropologie Structurale* حيث قال * ليس هناك مجتمع متطور في ذاته وبذاته , ثمة ثقافات توصلت إلى تحقيق أعلى أشكال التاريخ غنى و تنوعا , وهذه الأشكال القصوى لم تكن أبدا من صنع ثقافات معزولة , بل من صنع ثقافات تنسق قصدا أو بغير قصد , جهودها الخاصة وتحقق بوسائل متنوعة تحالفات,وهنا نلمس سخف الإعلان بوجود ثقافة من الثقافات أعلى أو أرقى من أخرى , ذلك لأن ثقافة معينة , لا يمكن لها أبدا عندما تكون معزولة أن تكون أعلى*, يستشف من هذا القول أن الغير سواء كان فردا أو جماعة و ثقافة , قريبا منا أو بعيدا عنا , هو جزء لا ينفصل عن الذات , يمنحها الوجود والتحقق , لذا لابد من إقامة علاقة تواصل معه , تقوم على أساس الاعتراف المتبادل , مع نبذ كل أشكال التمييز والعنف , لأن الغير في نهاية المطاف , ماهو إلا أنا أخر بشري مثلنا , ووجوده هو نداء للغير من أجل تجاوز هذا النقص , ونداء له من أجل حوار حضاري مبني على التسامح , بعيدا عن كل أنواع الهيمنة و التسلط.